السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
468
مفاتيح الأصول
العلم به بالضرورة أو الإجماع يحكم به وما لم يحصل العلم به نحكم بأصالة البراءة لا لكونها مفيدة للظن ولا للإجماع على وجوب التمسّك بها بل لأن العقل يحكم بأنه لا يثبت تكليف علينا إلا بالعلم أو الظن المعلوم الحجيّة ففي ما انتفي الأمران يحكم العقل بعدم العقاب على تركه لا لأن الأصل المذكور يفيد ظنا حتى يعارض بالظن الحاصل من أخبار الآحاد بخلافها ويؤيده ما ورد من النهي عن اتباع الظن انتهى ملحضا لما عرفت من أن الضروري واليقيني أمر مجمل لا ينفع ولا يغني بل لو بنينا على اليقيني ورفع اليد عما سواه بالبناء على أصالة البراءة يحصل فقه وشرع يجزم الكفار أنه ليس شرع نبيّنا صلى الله عليه وآله فضلا عن المسلمين ويتيقن مجملا أن الشرع بالنسبة إلينا أيضا غير مقصور على ذلك مضافا إلى الإجماع في اشتراكنا مع الحاضرين في التكاليف واعتبار الخصوصيات وأيضا أصالة البراءة إنما يسلم فيما لم يثبت فيه تكليف إجمالي يقيني وأما مع الثبوت فلا بد من الامتثال والإتيان بجميع المحتملات من باب المقدمة لأن العقل لا يرضى بالبراءة الاحتمالية ولا يكفي في تحقيق الإطاعة الواجبة بمجرد احتمال الإتيان بما هو المطلوب فكيف يرضى بالبراءة الوهمية أي الظن بأن المطلوب ليس هذا لحصول الظن له يكون المطلوب غيره أو زائدا عليه فالعقل يحكم بالعقاب على الترك بحكمه بوجوب الامتثال وتوقف الامتثال على الفعل سلمنا لكن لا نسلَّم كون حكمه عدم العقاب سلمنا لكن لا نسلم كون حكمه على سبيل اليقين والتزام الإتيان بجميع المحتملات في جميع الأحكام يؤدي إلى الحرج المنفي بل ربّما لا يمكن لتحقق العصيان من جهة أخرى أو لا يمكن الجمع مثل أن المال إما أنه لزيد أو لعمرو وكذا الزوجة وأمثال ذلك وأيضا الفقه من كتاب الطهارة إلى الديات قطعيات إجمالية وظنيات تفصيلية فلو لم يحكم بالظن فلا بد أن يحكم بالوهم بأن الموهوم هو حكم اللَّه تعالى يعني أن ما هو الظاهر أنّه ليس حكم اللَّه تعالى هو حكم اللَّه لأن الظن إذا حصل يكون خلافه الوهم فلو لم تعتبر الظن فلا بدّ أن تعتبر الوهم بأن تقول هذا حكم اللَّه مع أن الظن أنه ليس حكم اللَّه ويلتزم العمل به مع أن الظن من الشرع أنه لا يجوز العمل به وأنت لا ترضى بكون الظن حجة وجعله حكم اللَّه الظاهري بل ولا العمل به لإلزامك العمل بالأصل فكيف ترضى بالوهم وإلى ما أشرنا أشار العلامة في النهاية أنه لو لم يجب العمل بالظن لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو بديهي البطلان والجواب عن ذلك أن الأخباريين يوجبون العمل بالمقطوع به وإلا فالتوقف أو الاحتياط فيه ما فيه لانسداد باب القطع بالبديهة ثم قال وأيضا جريان أصالة البراءة في العبادات محل نظر لأنها توقيفية موقوفة على النص وعلى تقدير تسليم الجريان فالقطع به محل نظر بل فاسد وأمّا المعاملات ففي كثير من المواضع لا يتأتى الأصل مثل كون المال لزيد أو لعمرو وكذا الزوجة إلى غير ذلك مع أن صحة المعاملة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي والأصل يقتضي عدم الصّحة حتى أن أصل البراءة أيضا مانع عن الصحة فكيف يمكن التمسّك بها في المعاملات والحكم بصحّتها وقد كتبنا رسالة في هذا المعنى من أراد حق التحقيق فليلاحظ فأصالة البراءة إنما ينفع في غير ما أشرنا إليه مع أن غالب احتياج الناس إلى أمثال ما ذكرنا وأيضا أصل البراءة ظني كما اعترف وقطع العقل بعدم العقاب محل تشاجر بين العلماء وأقاموا على خلاف ذلك أدلة من النقل بل وحكموا بالمنع عقلا أيضا وإن كان الظاهر خلاف ذلك لكنه ظاهر وظن وإن كان قويا سلمنا القطع لكن نسلم في موضع لم يتحقق فيه الظن بالتكليف إذ العقل يحكم بوجوب دفع ضرر المظنون البتة فكيف يحكم بعدم العقاب والضّرر البتة مع أن العقل لا يرضى بترجيح المرجوح على الرّاجح عنده إن السيّد كلَّما أمر وكلف كان راجحا البتة أنه أمر بكذا وحكم بكذا فكيف يرضى ترجيح خلاف ذلك عليه وبالجملة لا نسلَّم القطع في أمثال ما نحن فيه بل ولا الظن وبالجملة كون المدار في الفقه على النص في أمثال زماننا من المسلمات عند الفقهاء ولذا عرفوا الاجتهاد المرادف للفقه بما عرفوا بل هو من البديهيات المحسوسات انتهى ولا يقال لا نسلَّم أن بعد انسداد باب العلم بمعظم الأحكام الشرعية الفرعية مع العلم ببقاء التكليف بها يلزم العمل بالظن لجواز أن يكون الواجب حينئذ هو العمل بالاحتياط في كلما يحتمل وجوبه أو حرمته بل هو الموافق للقاعدة العقلية من أن اشتغال الذّمة يقينا بشيء ولو كان مجهولا يوجب تحصيل العلم بالبراءة منه وهو الاحتياط وقد أشار إلى ما ذكر جمال الدين الخوانساري فقال بعد ما حكيناه عنه سابقا وبإزاء هذه الطريقة طريقة أخرى وهي طريقة البراءة اليقينية في الجميع بالإتيان بكل ما احتمل وجوبه وترك كل ما احتمل حرمته ولا يخفى أنه بهذا وإن كان يحصل الاحتياط والعلم ببراءة الذّمة في كثير من الأحكام انتهى لأنا نقول الاحتمال المذكور فاسد جدا وقد بينا وجهه في مقام آخر بما لا مزيد عليه وقد اعترف به جمال الدّين أيضا بعد ما حكيناه عنه هذا لكن لا يمكن العمل به في بعضها كما يكون مرددا بين الوجوب والحرمة كصلاة الجمعة مثلا على تقدير القول بوجوبها عينا أيضا وأيضا رعاية ذلك في جميع ما يمكن رعايته يوجب الحرج والضيق المنفيين في الدين مثلا يلزم تكرار كل صلاة إخفاتية مرات عديدة بأن يصلي تارة بالجهر